هيومن رايتس ووتش: إدارة ترامب تقوض النظام الحقوقي الأمريكي والدولي
هيومن رايتس ووتش: إدارة ترامب تقوض النظام الحقوقي الأمريكي والدولي
قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية شهدت خلال عام 2025 تصاعدا غير مسبوق في الانتهاكات الحقوقية وهجمات واسعة على الركائز الأساسية للحكم الديمقراطي القائم على المساءلة، محذرة من أن الولايات المتحدة انزلقت بسرعة نحو مسار خطير يقوض سيادة القانون ويعزز الإفلات من العقاب، وأكدت المنظمة أن استمرار هذه السياسات يهدد بتسريع التحول نحو أنماط حكم استبدادية داخل البلاد وخارجها.
وجاءت هذه الخلاصات في التقرير العالمي 2026 الصادر عن هيومن رايتس ووتش، الأربعاء، والذي وثق أوضاع حقوق الإنسان في أكثر من 100 دولة، محذرا من أن السياسات الأمريكية خلال ولاية ترامب الثانية باتت تشكل عاملا ضاغطا على النظام الدولي القائم على القواعد، وليس فقط على الداخل الأمريكي.
هجوم على الديمقراطية والمؤسسات
في كلمته الافتتاحية للتقرير، اعتبر المدير التنفيذي للمنظمة فيليب بولوبيون أن كسر موجة الاستبداد العالمية يمثل تحدي هذا العصر، مشيرا إلى أن إدارة ترامب لعبت دورا محوريا في إضعاف منظومة حقوق الإنسان عالميا، ودعا بولوبيون الديمقراطيات التي لا تزال تحترم الحقوق والمجتمع المدني إلى بناء تحالف استراتيجي للدفاع عن الحريات الأساسية في مواجهة هذا التراجع.
من جانبها، قالت تانيا غرين مديرة برنامج الولايات المتحدة في هيومن رايتس ووتش إن ولاية ترامب الثانية اتسمت بهجمات متواصلة وواسعة النطاق على الحقوق والحريات، موضحة أن الإدارة لا تكتفي بالتراجع عن مكتسبات حقوقية تحققت على مدى عقود، بل تعمل بشكل منهجي على تفكيك الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية الأمريكية.
استهداف المهاجرين واللاجئين
أبرز التقرير أن إدارة ترامب شنّت حملة واسعة من المداهمات والاعتقالات الجماعية بحق المهاجرين، مستخدمة قوات فيدرالية في عمليات وصفت بأنها أرعبت مجتمعات كاملة في مختلف الولايات، وشملت هذه السياسات ترحيل أشخاص، بينهم طالبو لجوء، إلى بلدان ثالثة في إطار إجراءات عقابية متعمدة، من بينها إخفاء قسري لمواطنين فنزويليين في سجن سيئ السمعة في السلفادور، حيث تعرضوا لاحتجاز تعسفي وتعذيب.
تقويض المساءلة والحقوق المدنية
وسلّط التقرير الضوء على جهود ممنهجة لتقويض مساءلة الحكومة، عبر إضعاف منظومة الحقوق المدنية وإجراءات الحماية من التمييز، وتهديد منظمات المجتمع المدني بتحقيقات جنائية ذات دوافع سياسية، إضافة إلى محاولات سحب الإعفاءات الضريبية من جمعيات خيرية بسبب مواقفها.
وأشار التقرير إلى أن هذه السياسات خلقت مناخا من الخوف والترهيب داخل الولايات المتحدة، انعكس سلبا على حرية التعبير والعمل المدني، وأضعف قدرة المجتمع على مراقبة السلطة ومحاسبتها.
الحق في الصحة والعدالة الاجتماعية
وفي مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وثّقت هيومن رايتس ووتش تخفيضات حادة في تمويل برامج الرعاية الصحية التي يعتمد عليها ملايين الأمريكيين للحصول على التأمين الصحي، واعتبرت أن تجريد أعداد كبيرة من السكان من التأمين جاء في سياق سياسات تهدف إلى تمويل تخفيضات ضريبية للأسر الثرية والشركات الكبرى، ما فاقم أوجه عدم المساواة الاجتماعية.
كما انتشرت القيود على خدمات الإجهاض في عدد متزايد من الولايات، في ظل هجوم مباشر على منظمة بلاند بارينتهود، الأمر الذي قوض وصول أكثر من مليون شخص إلى الرعاية الصحية الأساسية، وقلص التمويل المخصص لبرامج وأبحاث الصحة الإنجابية.
سياسة خارجية تتجاهل الحقوق
على الصعيد الدولي، أكد التقرير أن السياسة الخارجية لإدارة ترامب اتسمت بتجاهل صارخ لالتزامات الولايات المتحدة في مجال حقوق الإنسان، وبابتعاد حاد عن جعل هذه الحقوق محورا للدبلوماسية الأمريكية، فقد أنهت الإدارة بشكل مفاجئ معظم المساعدات الخارجية، بما في ذلك التمويل المخصص لدعم المدافعين عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني والمساعدات الإنسانية المنقذة للحياة.
كما انسحبت الولايات المتحدة من مؤسسات ومنتديات متعددة الأطراف محورية، من بينها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس للمناخ، في خطوة اعتبرتها المنظمة ضربة قاسية للنظام الدولي القائم على التعاون.
عداء للمساءلة الدولية
وذكر التقرير أن إدارة ترامب صعدت من عدائها لآليات المساءلة الدولية، عبر فرض عقوبات على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية وخبيرة أممية وثلاث منظمات حقوقية فلسطينية بارزة، كما نفذت الإدارة ضربات عسكرية غير قانونية على قوارب صغيرة في منطقة البحر الكاريبي وأجزاء من المحيط الهادئ، ما أسفر عن مقتل عشرات الأشخاص.
وقالت سارة ياغر مديرة السياسة الخارجية في هيومن رايتس ووتش بواشنطن إن السياسة الخارجية للإدارة تعكس هجومها الداخلي على الحقوق، مؤكدة أن ازدراء سيادة القانون في الداخل هو ذاته الذي يقود إلى عمليات قتل خارج نطاق القضاء في الخارج، في انتهاك صارخ للقانون الدولي.
تداعيات عالمية مقلقة
وأشار بولوبيون إلى أن تصرفات إدارة ترامب، إلى جانب الجهود المستمرة التي تبذلها الصين وروسيا لإضعاف النظام العالمي القائم على القواعد، لها تداعيات خطيرة في مختلف أنحاء العالم، ولفت إلى أن الثقة في قدسية الانتخابات تراجعت، وأن استقلال القضاء تعرض لهجمات، فيما استخدمت سلطة الدولة لترهيب المعارضين السياسيين ووسائل الإعلام والجامعات وشركات المحاماة وحتى الفنانين.
وأوضح أن خطاب الإدارة تبنى سرديات تقوم على القومية البيضاء، مستخدما صورا نمطية عنصرية لتبرير سياسات إقصائية، ومعلنا الاستخفاف بالقانون الدولي باعتباره غير ملزم.
أزمات دولية تحت مظلة الإفلات من العقاب
وسلط التقرير الضوء على أن إضعاف الولايات المتحدة للمؤسسات الدولية وجه ضربة لجهود منع الجرائم الجسيمة، مذكرا بأن مبدأ مسؤولية الحماية الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2005 بات اليوم شبه معطل، بينما تتعرض المحكمة الجنائية الدولية للحصار السياسي.
وأشار إلى أن السودان، الذي لعبت الولايات المتحدة سابقا دورا في حشد الاستجابة الدولية لجرائم دارفور، يشهد اليوم نزاعا مدمرا وسط إفلات نسبي من العقاب.
وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، وثق التقرير ارتكاب الجيش الإسرائيلي أفعالا ترقى إلى الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم ضد الإنسانية، ما أدى إلى مقتل أكثر من 70 ألف شخص منذ أكتوبر 2023 وتهجير الغالبية الساحقة من سكان غزة، في ظل دعم أمريكي شبه غير مشروط لإسرائيل، حتى مع نظر محكمة العدل الدولية في مزاعم الإبادة الجماعية.
أما في أوكرانيا، فانتقد التقرير مقاربة ترامب التي قللت من مسؤولية روسيا عن الانتهاكات الجسيمة، وضغطت على كييف لتقديم تنازلات إقليمية، وطرحت فكرة عفو شامل عن جرائم الحرب، ما اعتبرته المنظمة تقويضا لمبدأ العدالة.
يأتي التقرير العالمي 2026 في لحظة تشهد فيها منظومة حقوق الإنسان الدولية تحديات غير مسبوقة، مع تصاعد النزاعات المسلحة، وتراجع الالتزام بالقانون الدولي، وصعود تيارات شعبوية وقومية في عدد من الدول المؤثرة، وتحذر هيومن رايتس ووتش من أن الدور الأمريكي، الذي كان تاريخيا أحد أعمدة النظام الحقوقي العالمي، بات اليوم عاملا في إضعاف هذا النظام، ما يستدعي تحركا جماعيا من الحكومات والمجتمع المدني والمؤسسات الدولية للدفاع عن القيم التي تأسست عليها منظومة حقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية.











